مربع نص:  
الخنسـاء بنت عمـــرو
شاعرة الرثاء في العصر الجاهلي
إشراف الأستاذ : خالد خميس فراج
إعداد الطالبـة: هدى محمد
حياتها ونشأتها:
هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد السلمية، ولدت سنة 575 للميلاد ، لقبت بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه. عرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية ونستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والقصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما، وأيضا أثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم ؛ لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها، فتزوجت من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي، إلا أنها لم تدم طويلا معه ؛ لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله،لكنها أنجبت منه ولدا ، ثم تزوجت بعدها من ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي ، وأنجبت منه أربعة أولاد، وهم يزيد ومعاوية وعمرو وعمرة. وتعد الخنساء من المخضرمين ؛ لأنها عاشت في عصرين : عصر الجاهلية وعصر الإسلام ، وبعد ظهور الإسلام أسلمت وحسن إسلامها. ويقال : إنها توفيت سنة 664 ميلادية. (1)
مقتل أخويها معاوية وصخر واستشهاد أولادها الأربعة :
قتل معاوية على يد هاشم ودريد ابنا حرملة يوم حوزة الأول سنة 612 م ،فحرضت الخنساء أخاها صخر بالأخذ بثأر أخيه ، ثم قام صخر بقتل دريد قاتل أخيه. ولكن صخر أصيب بطعنة دام إثرها حولا كاملا، وكان ذلك في يوم كلاب سنة 615 م. فبكت الخنساء على أخيها صخر قبل الإسلام وبعده حتى عميت . (2) وفي الإسلام حرضت الخنساء أبناءها الأربعة على الجهاد وقد رافقتهم مع الجيش زمن عمر بن الخطاب، وهي تقول لهم : (( يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).(3) فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فأعدوا على قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها تظفروا بالغنم والكرامة في الخلد والمقامة…)).(4) ، وأصغى أبناؤها إلى كلامها، فذهبوا إلى القتال واستشهدوا جميعا، في موقعة القادسية . وعندما بلغ الخنساء خبر وفاة أبنائها لم تجزع ولم تبك ، ولكنها صبرت، فقالت قولتها المشهورة: ((الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته)). (5) ولم تحزن عليهم كحزنها على أخيها صخر ، وهذا من أثر الإسلام في النفوس المؤمنة ، فاستشهاد في الجهاد لا يعني انقطاعه وخسارته بل يعني انتقاله إلى عالم آخر هو خير له من عالم الدنيا ؛ لما فيه من النعيم والتكريم والفرح ما لا عين رأت ولا أ\ن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم ربهم " ( 6) .
شعرهـــا وخصائصه:
تعـد الخنساء من الشعراء المخضرمين ، تفجر شعرها بعد مقتل أخويها صخر ومعاوية ، وخصوصا أخوها صخر ، فقد كانت تحبه حبا لا يوصف ، ورثته رثاء حزينا وبالغت فيه حتى عدت أعظم شعراء الرثاء. ويغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار؛ لأنها سارت على وتيرة واحدة ، ألا وهي وتيرة الحزن والأسى وذرف الدموع ، وعاطفتها صادقة نابعة من أحاسيسها الصادقة ونلاحظ ذلك من خلال أشعارها. وهناك بعض الأقوال والآراء التي وردت عن أشعار الخنساء ومنها :
يغلب عند علماء الشعر على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. كان بشار يقول: إنه لم تكن امرأة تقول الشعر إلا يظهر فيه ضعف، فقيل له: وهل الخنساء كذلك، فقال تلك التي غلبت الرجال.(7)
قال نابغة الذبياني: (( الخنساء أشعر الجن والإنس)). (8) فإنكان كذلك فلم لم تكن من أصحاب المعلقات ، وأظن أن في هذا القول مبالغة . أنشدت الخنساء قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوار          ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
لنابغة الذبياني في سوق عكاظ فرد عليها قائلا : لولا أن الأعشى(أبا البصير) أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر من بالسوق . وسئل جرير عن أشعر الناس فـأجابهم: أنا، لولا الخنساء ، قيل فيم فضل شعرها عنك، قال: بقولها: (9(
إن الزمان ومـا يفنى له عجـب  أبقى لنا ذنبا واستؤصل الــرأس
إن الجديدين في طول اختلافهما   لا يفسدان ولكن يفســد النــاس(10)
وكان الرسول r يعجبه شعرها وينشدها بقوله لها: ((هيه يا خناس ويوميء بيده)). (11(
أتى عدي عند رسول الله r فقال له:- يا رسول الله إن فينا أشعـر الناس، وأسخى الناس وأفرس الناس. فقال له النبي r : سمِّهم فقال: فأما عن أشعر الناس فهو امرؤ القيس بن حجر، وأسخى الناس فهو حاتم بن عدي(أباه) ، وأما عن أفرس الناس فهو عمرو بن معد يكرب.(12) فقال له الرسول r:- (( ليس كما قلت يا عدي، أما أشعر الناس فالخنساء بنت عمرو، وأما أسخى الناس فمحمد يعني نفسه r وأما أفرس الناس فعلي بن أبي طالب )) رضي الله عنه وأرضاه.(13)
بعض أشعارها في الرثاء:
تعكس أبيات الخنساء عن حزنها الأليم على أخويها وبالأخص على أخيها صخر، فقد ذكرته في أكثر أشعارها. وقد اقتطفت بعض من أشعارها التي تتعلق بالدموع والحزن، فهي في هذه القصائد تجبر عينيها على البكاء وعلى ذر ف الدموع لأخيها صخر، وكأنها تجبرهما على فعل ذلك رغما عنهما، وفي متناول أيدينا هذه القصائد :
ألا يا عين فانهمري بغدر وفيضـي
فيضـة مـن غـير نــــزر
ولا تعدي عزاء بعد صخـر
فقد غلب العزاء وعيل صبري
لمرزئة كأن الجوف منهـا بعيد
النـوم يشعــر حـــر جمـــر(14)
في هذه الأبيات نرى أن الخنساء دائمة البكاء والحزن والألم على أخيها ولم تعد تقوى على الصبر ، ودموعها لا تجف ، فهي - دائما - منهمرة بغزارة كالمطر ، وعزاؤها لأخيها صخر مستمر.
من حس لي الأخوين كالغصنين أو من راهما
أخوين كالصقرين لم ير ناظر شرواهمـا
قرميــن لا يتظالمان ولا يرام حماهـا
أبكي على أخـوي والقبــر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهول ولا فتى كفتاهما(15)
وهنا يظهر في أبياتها المدح والثناء لأخويها صخر ومعاوية وذكر مآثرهما، والبكاء عليهما ، وعلى القبر الذي واراهما .
: ومن شعرها أيضا
يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكيـن حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون على أخي، ولكن أعـزي النفس عنه بالتأسي
فلا، والله، لا أنساك حتى أفارق مهجتي ويشص رمسي
فيا لهفي عليه، ولهف نفسي أيصبح في الضريح وفيه يمسي (16)
وفي الأبيات السابقة ، وصفت الخنساء أخاها صخر بصفتين جميلتين ؛ أولاها : طلوع الشمس ، وفيه دلالة على الشجاعة ، وثانيهما : وغروب الشمس ، وفيه دلالة على الكرم ، وأيضا تبكيه وتعزي نفسها بالتأسي عليه، وأكدت بالقسم ( فلا والله ) على أنها لن تنساه أبداً. وفي يوم من الأيام طلب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: أن صخرا كان الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أي منهما كان أسنى وأفخر ؟ فأجابتهم : بأن صخر حر الشتاء ، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أما صخر فجمر الكبد ، وأما معاوية فسقام الجسد.(17) ثم قالت:
أسدان محمرا المخالب نجدة
بحران في الزمن الغضوب الأنمر
قمران في النادي رفيعا محتد
في المجد فرعا سؤدد مخير (18)
وعندما كانت وقعة بدر قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فكانت هند بنت عتبة ترثيهم، وتقول بأنها أعظم العرب مصيبة. وأمرت بأن تقارن مصيبتها بمصيبة الخنساء في سوق عكاظ ، وعندما أتى ذلك اليوم، سألتها الخنساء : من أنت يا أختاه؟ فأجابتها : أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك فبم تعاظمينهم أنت؟ فقالت: بأبي عمرو الشريد ، وأخي صخر ومعاوية . فبم أنت تعاظمينهم؟ قالت الخنساء: أوهم سواء عندك؟(19) ثم أنشدت هند بنت عتبة تقول:
أبكي عميد الأبطحين كليهما
مانعها من كل باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي
وشيبة والحامي الذمار وليدها
أولئك آل المجد من آل غالب
وفي العز منها حين ينمي عديدها (20)
فقالت الخنساء:
أبكي أبي عمراً بعين غزيـرة
قليل إذا نام الخلـي هجودها
وصنوي لا أنسى معاوية الذي
له من سراة الحرتيـن وفودها
و صخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا
بساحته الأبطال قــزم يقودها
فذلك يا هند الرزية فاعلمي
ونيران حرب حين شب وقودها (21)
______________________________________
الحواشـــي:
(1 ) راجع: الخنساء، ديوان ، ص5-6. ، والسيد أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، الجزء الأول، ص127-128. ونقولا ناهض ،الموسوعة العالمية ، المجلد السادس، ص974 (بتصرف).
( 2 ) جورج غريب، الموسوع في الأدب العربي(39) شاعرات العرب في الجاهلية، ص 28-29 (بتصرف).
(3) سورة آل عمران. آية (200)
(4) محمد مهدي الإستانبولي، نساء حول الرسول، ص258 ، 259.
(5 ) المرجع السابق نفسه .
(6) سورة آل عمران ( 173 ) .
(7) أحمد الهاشمي،جواهر الأدب، مؤسسة المعارف، بيروت لبنان، الجزء الأول، ص128 (بتصرف)
(9 ) ديوان، الخنساء، ص5
(10 ) المرجع نفسه، ص128
(11 ) محمد مهدي الإستانبولي، نساء حول الرسول، ص256.
(12 ) المرجع السابق ، ص257.(بتصرف)
( 13) المرجع نفسه.
( 14 ) الخنساء، ديوان، ص47
(15) الخنساء، ديوان، ص144
(16) نقولا ناهض ،الموسوعة العالمية ،الناشر ترادكسيم-شركة مساهمة سويسرية جنيف،1988،المجلد السادس،ص974 .
( 17 ) ديوان الخنساء ص83 (بتصرف)
·               ·               ذعاف: هو السم القاتل من ساعته، جمع ذعف، ويقال موت ذعاف:سريع.
·               ·               الأبطحين: هما مكة والمدينة.
(18 ) الخنساء، ديوانها ص83
( 19 ) الخنساء، ديوان ص43(بتصرف)
(20 ) المرجع نفسه. ص 43
(21 )المرجع نفسه. ص 43-44
قائمة المصادر و المراجع:
1-                        1-          السيد أحمد الهاشمي، جواهر الأدب، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، طبعة جديدة محققة ومنقحة أشرفت على تحقيقه وتصحيحه لجنة من الجامعيين، الجزء الأول، ص127-129.
2-                        2-                        جورج غريب، الموسوعة في الأدب العربي(39) شاعرات العرب في الجاهلية، دار الثقافة بيروت لبنان، 1984، الطبعة الأولى، ص 28-29.
3-                        3-                        الخنساء، ديوان ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة الأولى (150صفحة). لم يرد بيانات عن المحقق والسنة.
4-                        4-          محمد مهدي الإستانبولي، مصطفى أبو النصر شلبي، نساء حول الرسول r ، الناشر مكتب السوادي للتوزيع(جدة)، 1413هـ-1992م ، الطبعة الرابعة، ص(256-260) .
5-                        5-          المشرف العام الأستاذ نقولا ناهض، المراجعة العامة الأستاذ صالح علي الصالح، الناشر ترادكسيم، الموسوعة العالمية عربية مصورة بالألوان، المجلد السادس، شركة مساهمة سويسرية جنيف، حقوق الطبع كروبتوريالي فابري – ميلانوليفردوباري –هاشيت – باريس للطبعة العربية : حقوق الطبع محفوظة لتراديكسيم ش. م، جنيف،1988.
6-                           6-                           مواقع ذات صلة :* في الخنساء عبرة وعظة      
 
 
 

      شعـر في الـرثــاء

 

 

 

 

 

                                                                                      

مربع نص: --------------------------
][ القصيدة ][
****************
غيري ينام ومهتني في منامـه
وانا لذيذ النوم مـازار عينـي 
سهرانةٍ والليل مُوحش ظلامـه
يجمع لي احزاني ويدعي ونيني 
ولّيت ياليل الأسـى والندامـه
همّك توَطاني وبيّـح كنينـي 
أبغا السلامه بس وين السلامه
عيني تشوف وقاصراتٍ يديني 
غيّب ضناي وغابت الإبتسامه
حُكم المقدّر حال بينـه وبينـي 
سجين ماأشوفه ولا أسمع كلامه
ماغير طيفه كل لحظه يجينـي 
والسجن في الغربه يهز الكرامه
ياحرّ كبدي بعد فرقا ضنينـي 
وين انت ياللي تستحق الزعامه
يافزعة المضهود نعم العوينـي 
ياخادم البيتين فخـر الإمامـه
حبل الرجا ممدود بينك وبيني 
أجبر كسر قلبي وحقق مرامـه
أفزع فديتك تكسب الأجر فيني 
تكفا يا ابو متعب مقرّ الشهامه
الحيل واهن والزمن مبتلينـي 
قلبي ورا قضبان سجن المنامه
ردّه عليّ تزين باقـي سنينـي
  

مربع نص: قصيدة
لا تسألوا عن جدَّةَ الأمطارا ..

للدكتور

عبدالرحمن بن صالح العشماوي

" شاعر الأمة "

يرثي فيها سكان مدينة جدة من جراء الدمار الذي حصل عليها من هطول الأمطار
في نهاية عام 1430هـ



 
 
 

لا تسألوا عن جــدة الأمطـــارا
لكنْ سلوا مَنْ يملكون قرارا


لا تسألوا عنها السيولَ فإنها

قَدَرٌ، ومَنْ ذا يَصْرف الأقدارا؟


لا تسألوا عنها بحيرةَ (مِسْكِهَا)

فَلِمِسْكِهَا معنىً يؤجِّج نارا


أتكون جدَّةُ غيرَ كلِّ مدينةٍ

والمسكُ فيها يقتل الأزهارا؟!


لا تسألوا عن جدَّةَ الجرحَ الذي

أجرى دموعَ قلوبنا أنهارا


لكنْ سلوا عنها الذين تحمَّلوا

عبئاً ولم يستوعبوا الإنذارا


مَنْ عاش في أغلى المكاتب قيمةً

وعلى كراسيها الوثيرة دارا


مَنْ زخرف الأثواب فيها ناسياً

جسداً تضعضع تحتها أنهارا


لا تسألوا عن بؤسِ جدَّةَ غيرَ مَنْ

دهَنَ اليدَيْن، وقلَّم الأظفارا


مَنْ جرَّ ثوب وظيفةٍ مرموقةٍ

فيها، ومزَّق ثوبها وتوارى


وأقام في الساحاتِ أَلْفَ مجسَّمٍ

تسبي برونق حُسْنها الأبصارا


صورٌ تسرُّ العينَ تُخفي تحتها

صوراً تثير من الرَّمادِ (شراراً)


أهلاً برونقها الجميل ومرحباً

لو لم يكن دونَ الوباء سِتارا


لا تسألوا عن حالِ جدَّةَ جُرْحَها

فالجرح فيها قد غدا موَّارا


لكنْ سلوا مَنْ يغسلون ثيابهم

بالعطر، كيف تجاوزوا المقدارا


ما بالهم تركوا العباد استوطنوا

مجرى السيول، وواجهوا التيَّارا


السَّيْلُ مهما غابَ يعرف دربَه

إنْ عادَ يمَّم دربَه واختارا


فبأيِّ وعيٍ في الإدارة سوَّغوا

هذا البناء، وليَّنوا الأحجارا؟!


ما زلت أذكر قصةً ل(مُواطنٍ)

زار الفُلانَ، وليته ما زارا


قال المحدِّث: لا تسلني حينما

زُرْتُ (الفُلانَ) الفارس المغوارا


ومَرَرْتُ بالجيش العَرَمْرَمِ حَوْلَه

وسمعتُ أسئلةً وعشتُ حصارا


حتى وصلْتُ إلى حِماه، فلا تسلْ

عن ظهره المشؤوم حين أدارا

 
سلَّمتُ، ما ردَّ السلامَ، وإنَّما

ألقى عليَّ سؤاله استنكارا


ماذا تريد؟ فلم أُجِبْه، وإنَّما

أعطيتُه الأوراقَ و(الإِشعارا)


ألقى إليها نظرةً، ورمى بها

وبكفِّه اليسرى إليَّ أشارا


هل كان أبكم - لا أظنُّ - وإنَّما

يتباكم المتكبِّر استكبارا


فرجعتُ صِفْرَ الرَّاحتَيْن محوقلاً

حتى رأيتُ فتىً يجرُّ إزارا


ألقى السؤالَ عليَّ: هل من خدمةٍ؟

ففرحتُ واستأمنتُه الأسرارا


قال: الأمور جميعها ميسورةٌ


أَطْلِقْ يديك وقدِّم الدولارا


وفُجِعْتُ حين علمتُ أن جَنَابَه

ما كان إلا البائعَ السِّمْسارا


وسكتُّ حين رأيتُ آلافاً على

حالي يرون الجِذْعَ والمنشارا


ويرون مثلي حُفْرةً وأمانةً

ويداً تدُقُّ لنعشها المسمارا


يا خادم الحرمين، وجهُ قصيدتي

غسل الدموعَ وأشرق استبشارا


إني لأسمع كلَّ حرفٍ نابضٍ

فيها، يزفُّ تحيَّةً ووقارا


ويقول والأمل الكبير يزيده

أَلَقاً، يخفِّف حزنَه الموَّارا


يا خادم الحرمين حيَّاك الحَيَا

لما نفضتَ عن الوجوه غبارا


واسيتَ بالقول الجميل أحبَّةً

في لحظةٍ، وجدوا العمارَ دَمَارا


ورفعت صوتك بالحديث موجِّهاً

وأمرتَ أمراً واتخذت قرارا


يا خادم الحرمين تلك أمانة

في صَوْنها ما يَدْفَعُ الأَخطارا


الله في القرآن أوصانا بها

وبها نطيع المصطفى المختارا


في جدَّةَ الرمزُ الكبيرُ وربَّما

تجد الرموزَ المُشْبِهَاتِ كِثارا


تلك الأمانة حين نرعاها نرى

ما يدفع الآثام والأوزارا